مناع القطان

121

مباحث في علوم القرآن

أصواتهم بالقرآن بالليل ، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار » « 1 » ومع حرص الصحابة على مدارسة القرآن واستظهاره فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يشجعهم على ذلك ، ويختار لهم من يعلمهم القرآن ، عن عبادة بن الصامت قال : « كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى رجل منا يعلمه القرآن ، وكان يسمع لمسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضجة بتلاوة القرآن ، حتى أمرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالظوا » « 2 » . فهذا الحصر للسبعة المذكورين من البخاري بالروايات الثلاث الآنفة الذكر محمول على أن هؤلاء هم الذين جمعوا القرآن كله في صدورهم ، وعرضوه على النبي صلى اللّه عليه وسلم . واتصلت بنا أسانيدهم ، أما غيرهم من حفظة القرآن - وهم كثر - فلم يتوافر فيهم هذه الأمور كلها ، لا سيما وأن الصحابة تفرقوا في الأمصار ، وحفظ بعضهم عن بعض ، ويكفي دليلا على ذلك أن الذين قتلوا في بئر معونة من الصحابة كان يقال لهم القراء ، وكانوا سبعين رجلا كما في الصحيح ، قال القرطبي : « قد قتل يوم اليمامة سبعون من القراء - وقتل في عهد النبي صلى اللّه عليه ببئر معونة مثل هذا العدد » وهذا هو ما فهمه العلماء وأولوا به الأحاديث الدالة على حصر الحفاظ في السبعة المذكورين ، قال الماوردي « 3 » معلقا على رواية أنس « لم يجمع القرآن غير أربعة » : « لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك ، لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه ، وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد « 2 » وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده ، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا في غاية البعد في

--> ( 1 ) رواه البخاري ومسلم ( 2 ) مناهل العرفان للزرقاني صفحة ( 234 ) ج 1 ( 3 ) هو أبو الحسن علي بن حبيب الشافعي ، صاحب كتاب « الأحكام السلطانية » وكتاب « أدب الدنيا والدين » توفي سنة ( 450 ) هجرية .